الاقتصادات الخليجية والتحفيزات ضد الجائحة

الاقتصاد العالمي بدأ يصعد من أغوار الأزمة، لكنها رحلة طويلة في طريق غير ممهدة ومعرضة للنكسات. ومن المتوقع أن يكون النمو العالمي لهذا العام سالب 4,4 في المائة، بزيادة في التوقعات قدرها 0,8 في المائة

الاقتصاد العالمي بدأ يصعد من أغوار الأزمة، لكنها رحلة طويلة في طريق غير ممهدة ومعرضة للنكسات. ومن المتوقع أن يكون النمو العالمي لهذا العام سالب 4,4 في المائة، بزيادة في التوقعات قدرها 0,8 في المائة مقارنة بتنبؤاتنا في يونيو الماضي، لكنه يظل ضعيفا جدا بالطبع. ونتوقع تعافيا جزئيا عام 2021، حيث يبلغ النمو 5,2 في المائة، وهو مستوى أقل من توقعاتنا في حزيران (يونيو) بنسبة 0,2 في المائة. لكن إجمالي الناتج المحلي العالمي سيظل دون مستوى الاتجاه العام الذي كان سائدا لأعوام عديدة قبل الأزمة، بل إننا نتوقع بالفعل خسارة 28 تريليون دولار على مستوى العالم حتى نهاية عام 2025. وتوضح عودة ارتفاع الإصابات بفيروس كوفيد - 19 في عديد من الدول مخاطر التطورات السلبية التي تهدد حتى هذه التنبؤات.

وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، نتوقع انكماشا بنسبة 6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي عام 2020، يعقبه نمو بنسبة 2,3 في المائة عام 2021، وكذلك عجوزات كبيرة في المالية العامة وميزان المدفوعات الخارجية. وتعكس هذه التوقعات التأثير المجمع لانخفاضات سعر النفط، وتخفيضات إنتاجه، وعمليات الإغلاق العام. وهي تفترض استمرار التقدم في مكافحة الفيروس وزيادة النشاط الاقتصادي خارج المنطقة.

وبالنظر إلى المدى المتوسط، نرى استمرار الآثار العميقة على الاقتصاد: بطالة، وانخفاضا في استثمارات الأعمال، والأكثر من ذلك أن المنطقة تعاني تراجع أسعار النفط الذي يمكن أن يمتد لفترة مطولة. وتواجه المنطقة مستوى تحد في نهضتها ولذلك لا بد من ضرورة سرعة التحرك على صعيد السياسات، فذلك سيساعد في هذا الصدد. وقد أدى تعزيز نظم الصحة العامة القوية أصلا إلى إبقاء معدلات الوفيات في دول مجلس التعاون الخليجي من بين أدنى المعدلات في العالم. وسارعت السعودية، والبحرين والإمارات بتعميم أنظمة لاختبارات الكشف عن الفيروس وتتبع المخالطين، وهي من أكبر الأنظمة في العالم من حيث عدد الأفراد المشمولين.

وأدت حزم الدعم المالي ودعم السيولة إلى حماية الدخول والأرزاق، وكذلك القطاع المالي. وتضمنت الإجراءات العاجلة والمبتكرة تقديم إعفاءات وتأجيلات ضريبية، وتحويلات نقدية، ودعما ماليا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

فأين نذهب من هنا؟ وكيف نحفز تعافيا أذكى وأكثر خضرة وشمولا للجميع؟.

ومن أهم الرسائل لصناع السياسات في مجلس التعاون الخليجي، سيكون من المهم في البداية، مواصلة السياسات الناجحة والاستمرار في الاستثمار في النظم الصحية، والمحافظة على سياسات مالية ونقدية داعمة إلى أن يترسخ التعافي، وتوجيه هذا الدعم بصورة متزايدة إلى الأسر والأعمال الأشد حاجة إليه. وفي الفترة المقبلة، يمكن لمجلس التعاون الخليجي أن يقود المسيرة إذا قاموا بتعجيل الإصلاحات التي بدأوها قبل جائحة كوفيد - 19، ومنها تنويع تدفقات الإيرادات الحكومية وجعل الإنفاق أكثر كفاءة وتنويع الاقتصادات وتخضيرها، وصنع الفرص للشباب والنساء.

لننظر إلى كل من هذه المجالات. ففي مجال المالية العامة، قامت السعودية خلال الأعوام الأخيرة بتنويع الإيرادات من خلال تطبيق ضرائب انتقائية على السلع وضريبة القيمة المضافة. وقد أعادت توزيع الإنفاق للتركيز على متطلبات مواجهة الجائحة. وبالمثل، تعمل عمان على تخفيض بعض الإنفاق وبدأت تطبيق ضريبة القيمة المضافة. كذلك استحدثت الإمارات والبحرين ضريبة القيمة المضافة، وبدأت الإمارات وأعضاء آخرون في مجلس التعاون الخليجي تخفيض دعم الوقود غير الكفء. ومن الأولويات الأساسية الأخرى على صعيد المالية العامة تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وتحسين إدارة الأصول والخصوم الحكومية. ويكتسب هذا أهمية خاصة نظرا لارتفاع الدين الخارجي في دول مجلس التعاون الخليجي. وربما الأهم من كل ذلك، وضع أطر قوية للمالية العامة على المدى المتوسط يمكن أن تساعد صناع السياسات على تجاوز فترة التقلب قصيرة الأجل في الإيرادات النفطية، وإرشاد عملية الضبط المالي، والحفاظ على مدخرات للأجيال المقبلة.

إضافة إلى تنويع وتخضير اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، وهو أمر بالغ الأهمية نظرا للاتجاهات العامة طويلة الأجل التي يرجح أن تسود في سوق النفط.

ونلاحظ أن المنطقة على المسار الصحيح لقيادة العالم في التحول إلى تكنولوجيا الجيل الخامس للأنظمة اللاسلكية المستقلة بالكامل. ومن شأن ذلك أن يتيح العمل والتعليم والتطبيب عن بعد، وخدمات الحكومة الإلكترونية، وكلها مجالات تحتل فيها دول المنطقة مرتبة مرتفعة بالفعل. وسيكون القيام بمزيد من الاستثمار في الاقتصاد الرقمي، بما في ذلك عن طريق دعم اعتماد التكنولوجيات على نطاق واسع، عاملا مساعدا على تحقيق نمو اقتصادي أكثر حيوية وشمولا للجميع. ولدى دول المنطقة فرص لاتخاذ المسار الأخضر. فالشمس، على غرار النفط، وفيرة في المنطقة. والإمارات تعمل على الاستفادة من هذه الإمكانات، حيث تبني أكبر محطة لتوليد الطاقة الشمسية في العالم. وعند اكتمالها، ستخفض الانبعاثات بما يعادل إبعاد 470 ألف سيارة عن السير في الطرق. ويمكن تحسين كفاءة استخدام الطاقة في الأبنية أيضا. ونأتي إلى الحديث عن إتاحة الفرص، خاصة للشباب والنساء مثلما ناقش كثير منا في فعاليات مجموعة العشرين التي استضافتها السعودية هذا الموضوع. ونظرا لأن 2,5 مليون شاب من مواطني مجلس التعاون الخليجي سينضمون إلى القوى العاملة مع حلول عام 2025، فقد حان الوقت لاتخاذ إجراءات في هذا المجال. وقد طبق معظم دول الخليج حدا أدنى لأجور المغتربين وسهلت لهم تغيير الوظائف، ما يجعل الاقتصاد أكثر ديناميكية للجميع. وهناك أعداد أكبر من السعوديات يدخلن سوق العمل، حتى في هذا العام العصيب.

والسؤال المطروح هنا: كيف يمكن أن يعمل الصندوق مع دول الخليج؟

تعمل دول الخليج على تطوير مزيد من السياسات على هذا الغرار، نتطلع إلى تعزيز شراكتنا القوية بالفعل مع مجلس التعاون الخليجي. ويقدم الصندوق مساعدات ثنائية في مجال السياسات، عن طريق الأبحاث، وكذلك دعم تنمية القدرات. وقد أطلقنا أخيرا تقرير "آفاق الاقتصاد الإقليمي"، ودراسة عن الإنفاق الاجتماعي لتحقيق النمو الاحتوائي في المنطقة. ولأن الجائحة لن تنتهي في أي بلد في العالم إلى أن تنتهي في كل الدول، فإننا نطلب الاستمرار في دعم دول المنطقة لبرامج الصندوق في مجالي تنمية القدرات والإقراض، والنظر في زيادته. وبفضل النموذج القوي الذي يقدمه مجلس التعاون الخليجي، ومن خلال موارد دول المجلس وصندوق النقد الدولي، يمكننا الاستمرار في إنقاذ الأرواح والأرزاق أثناء أزمة كوفيد - 19 وفيما بعدها.