السودان وتقاطعات القرن الإفريقي في مقاربات سياسة بايدن الخارجية المتوقعة

خالد موسى دفع اللهمن المؤمل أن تنتهي في عهد بايدن السياسة المزدوجة التى وسمت تعامل ترامب مع السودان، إذ ظل البيت الأبيض يدعم المكون العسكري في مجلس السيادة خاصة في موضوع التطبيع مع تل أبيب، فى الوقت الذي حافظت فيه وزارة الخارجية الأمريكية على دعم ال

خالد موسى دفع الله

من المؤمل أن تنتهي في عهد بايدن السياسة المزدوجة التى وسمت تعامل ترامب مع السودان، إذ ظل البيت الأبيض يدعم المكون العسكري في مجلس السيادة خاصة في موضوع التطبيع مع تل أبيب، فى الوقت الذي حافظت فيه وزارة الخارجية الأمريكية على دعم الحكومة المدنية برئاسة حمدوك.

من المرجح أن ينهي بايدن هذه الازدواجية ويعمل علي توحيد سياسة إدارته تجاه السودان بالانحياز والتعاون مع الحكومة المدنية أكثر من الرئاسة العسكرية لمجلس السيادة الذي يقوم عليه الفريق عبدالفتاح البرهان، مع تعميق سياسة سلفه ترامب لاستكمال خطوات التطبيع مع إسرائيل. سيكون بايدن أقل اهتماماً بقضايا الحريات الدينية التي جعلها ترمب في صدارة أولوياته لإرضاء قاعدته الشعبية من الايفانجلكيين واليمين الديني.

في المقابل ستهتم سياسة بايدن بدعم عملية السلام في السودان، واحترام حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي وقيام الانتخابات في موعدها، وانخراط السودان مجدداً في محاربة الإرهاب خاصة ضد تمدد الشباب وداعش في المنطقة ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وأن يكون أكثر ارتباطاً باستراتيجية القيادة الإفريقية، (افريكوم) في المنطقة.

تضغط واشنطن لحجز موقع متقدم في موضوع إصلاح القطاع الأمني، كما تتابع بقوة إعادة ارتباط السودان بمحاربة الإرهاب في المحيط الإقليمي مع توفير وجود لوجستي وربما فني عملياتي مقدر للقيادة الإفريقية الأمريكية(افريكوم) في السودان.

ستحث واشنطن السودان لمواصلة جهوده لدعم السلام والاستقرار الإقليمي خاصة في جنوب السودان و ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى.

ستكون أهم مرتكزات إدارة بايدن تجاه السودان هو الحفاظ على قاعدة النفوذ والتأثير على متخذ القرار السودانى التي أنتجها الأثر التراكمي لمنظومة العقوبات المتطاولة على السودان، فبدلا من العقوبات وقائمة رعاية الارهاب ستواصل واشنطن استثمار نفوذها واستمرار ضغوطها عبر المؤسسات المالية الدولية خاصة البنك الدولي وصندوق النقد في موضوعات إعفاء ديون السودان البالغة ٦٠ مليار دولار عبر مبادرة الدول المثقلة بالديون (هيبك). وكذلك تخصيص قروض ميسرة لانتشال الاقتصاد السوداني من أزماته الراهنة، والتحكم في تسهيل تحويلات المصارف العالمية مع نوافذ الاقتصاد الوطني.

هذا يعنى أن واشنطن ستحتفظ بقاعدة النفوذ والتأثير المستمدة من تراكم أثر العقوبات مع استبدال الأدوات من وسائل الإكراه والإجبار عن طريق العقوبات إلى ضغوط ناعمة لكنها قوية عن طريق التحكم في العون الاقتصادي وإعفاء الديون وتسهيل القروض وإعادة إدماج الاقتصاد السوداني في المنظومة المالية والاقتصادية العولمية والتحكم في تحويلات المصارف الدولية. وكذلك تاثيرها الكبير على عملية السلام.

هناك شكوك في مواصلة بايدن لإنفاذ تعهدات إدارة ترامب فيما يتعلق بحزمة المحفزات المرتبطة بالتطبيع مع إسرائيل وهي تقديم معونات تنموية ودعم عاجل للسلع الأساسية خاصة الوقود والقمح وحث الشركات الأمريكية للاستثمار في السودان. إذ يرتبط دخول الشركات الأمريكية فى سوق الاستثمار السوداني بحزمة القوانين اللازمة لحماية الاستثمار واستقلال القضاء والبنية التحتية والاستقرار الاقتصادي وامتثال بنك السودان للتعهدات والاتفاقيات الدولية خاصة محاربة الفساد وغسيل الأموال وغيرها.

من المتوقع ألا تمضي إدارة بايدن حرفياً في مشروع صفقة القرن والاتفاق الإبراهيمي الذي أدى لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وثلاث دول عربية هي الإمارات والبحرين والسودان، لكن ستحافظ على روح الاتفاق لدعم و تطوير صيغ التطبيع والتعاون بين إسرائيل والدول العربية، والانفتاح على الجانب الفلسطيني واعادة التعاطي معه مجددا دون اتخاذ سياسات متطرفة كالتي أقرها ترامب خاصة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والجولان. لأن إرث سياسات الديمقراطيين هو رعاية مبدأ حل الدولتين مع الحفاظ علي أمن إسرائيل و استدامة تفوقها النوعي و الاستراتيجي وتشجيع التطبيع مع الدول العربية. ربما يمنح هذا التحول المترددين في الحكومة السودانية بعض الوقت والمناورة التكتيكية في إبطاء اجراءات التطبيع مع تل أبيب.

وربما تتخذ الإدارة مقاربة سياسية جديدة بشأن التعاطي مع إيران لإحياء صيغ الاتفاق الدبلوماسي عبر التفاوض للتحكم في مشروع إيران النووي بدعم ومشاركة الشركاء الأوروبيين والدوليين.

إن التحولات الجيوسياسية في المنطقة خاصة مع تزايد الخلافات حول إجراءات ملء سد النهضة في إثيوبيا وتشغيله بين الدول الثلاث مصر و إثيوبيا والسودان، ستدفع بايدن إلى مواصلة سياسة سلفه ترمب في الاهتمام بنزع فتيل الانفجار والمواجهة بين أكبر دولتين من حيث الكثافة السكانية والأهمية الاستراتيجية. حسب توجهات الديمقراطيين الدبلوماسية فإنهم أكثر ميلا لمعالجة أزمة سد النهضة عن طريق المنظمات الإقليمية والدولية عبر نهج الدبلوماسية الجماعية بدلا من التصدي لمهمة نزع فتيل الأزمة على المستوى الثنائى باستخدام العقوبات أو ثقل واشنطن السياسي والاقتصادي والعسكري مع هذه الدول، لذا فإن دعم واشنطن في عهد بايدن لجهود الاتحاد الإفريقي ستكون هي الخيار الأنسب لتوجهات سياسة واشنطن الجديدة.

ستزداد الأهمية السياسية والاستراتيجية للقرن الإفريقي في عهد بايدن من حيث تقوية جهوده لمنع تغلغل وبسط نفوذ الصين في إفريقيا عن طريق مشروع طريق الحرير. إذ بلغ التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا ١٨٤ بليون دولار عام ٢٠١٧، مقابل حوالي ٦٥ بليون بين الولايات المتحدة وإفريقيا لنفس العام. هذا إضافة إلى مشروع أمن البحر الأحمر في ظل تصاعد حرب اليمن و زيادة عدد القواعد العسكرية للدول الكبرى في ظل تنافس محموم بين الدول الإقليمية للحصول على قواعد عسكرية ومنافذ مطلة على البحر الاحمر خاصة فى الصومال و إريتريا وجيبوتي.

تفتح التوترات التي اندلعت داخل إثيوبيا مؤخراً بين الحكومة الفيدرالية وحكومة جبهة التقراي الحاكمة للإقليم بابا واسعا للتكهنات حول مستقبل هذا الصراع الداخلي وإمكانية تحوله إلى حرب أهلية تهدد الاستقرار السياسي، وهز أركان الدولة الإثيوبية التى تبنت نموذج الإثنية الفيدرالية أساساً للحكم، مع إعطاء الأقاليم حق تقرير المصير.

لا يتوقع تدخل واشنطن المباشر في الصراع السياسي الداخلي رغم الانشغال الذي عبر عنه وزير الخارجية بومبيو في تغريدة على ضرورة حل النزاع سلمياً وتعهد واشنطن الوقوف إلى جانب الشعب الإثيوبي، آخذين في الاعتبار نقد الرئيس ترامب لإخلال حكومة أبي أحمد في أديس بتعهداتها تجاه الحلول التي اقترحها الوساطة الأمريكية لحل أزمة سد النهضة مما أدى إلى وقف المساعدات الأمريكية. وستتصاعد نذر الأزمة الإنسانية والنزوح في إثيوبيا جراء المعارك، حيث تقدر الأمم المتحدة حاجة أكثر من ٩ ملايين مواطن لمساعدات إنسانية عاجلة الآن داخل إثيوبيا.

ستكون خيارات إدارة بايدن أقل حدة تجاه إثيوبيا، وأقل انحيازاً لمصر على عكس سلفه ترامب، بل من المرجح استئناف برنامج المساعدات الأمريكية لإثيوبيا مع رجحان التوقعات أن تتخذ واشنطن حزمة ضغوط وإجراءات ناقدة لسياسات نظام الرئيس السيسي في مصر خاصة تجاه قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما أشار بايدن نفسه إلى ذلك فى سياق مناظرات التنافس الانتخابي. ولكن ربما تتبخر الوعود الانتخابية في أتون الواقعية السياسية.

ستركز سياسة واشنطن في عهد الإدارة الجديدة على ضرورة الحفاظ على استقرار القرن الإفريقي وتجفيفه من النزعات إلى الحد الأدني الممكن، مع تقوية دور الاتحاد الإفريقي والمنظمات شبه الإقليمية خاصة منظمة ( الايقاد) لحل الصراعات الداخلية وكذلك النزاعات بين دول الإقليم.

ومع ذلك تظل هناك تحديات أخرى تواجه السياسة الأمريكية خاصة محاربة الإرهاب في المنطقة ولا سيما في الصومال، وكذلك دعم اتفاقية السلام والتحول الديمقراطي في جنوب السودان.

ستظل قضية التحول الديمقراطي في إريتريا أحد أهم تحديات سياسة الولايات المتحدة في القرن الإفريقي، مع استمرار سيطرة الرئيس أسياس أفورقي على مقاليد السلطة والحكم لما يقارب الثلاثة عقود دون إبداء أي تنازلات تجاه الانفتاح السياسي والتحول الديمقراطي وتخفيف القبضة الحديدية علي الشباب وإكراهات تطاول أمد الخدمة الوطنية واحترام حقوق الإنسان.

لعله من المبكر التنبؤ بخيارات الرئيس بايدن لمنصب وزير الخارجية رغم بروز توقعات جدية في الصحافة الأمريكية و اتساع قاعدة الترشيحات وفقاً لذلك، لكن يتوقع عودة بعض رموز إدارة أوباما مجدداً . وإذا وقع الاختيار على سوزان رايس مجددا ضمن طاقم الأمن القومي أو وزارة الخارجية فإنها ستسهم بلا شك

فى بلورة سياسة داعمة لتوجهات الحكم المدني في السودان والتحول الديمقراطي من خلال خبرتها السابقة وتعاطيها المستمر مع الملف السوداني خاصة في مناصبها المتعددة كمندوب دائم للولايات المتحدة في نيويورك ومستشار للأمن القومي وقبلها مساعدة لمادلين أولبريت وزيرة الخارجية للشؤون الإفريقية، حيث ربطتها علاقات قوية بالحركة الشعبية حينها.

إن إعلان سياسة جديدة تجاه إفريقيا عامة والقرن الإفريقي على وجه الخصوص سيكون مرتبطاً بشكل أساسي بأختيار مساعد لوزير الخارجية للشؤون الإفريقية. وهو إجراء يستغرق عدة أشهر من أداء الرئيس بايدن القسم في يناير القادم.

لكن بوصلة سياسة الولايات المتحدة الخارجية تجاه القرن الإفريقي في ظل إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن حسب تراكم المؤشرات السابقة والمعطيات الراهنة و توقعات السياسة الخارجية ستكون موجهة للحفاظ على التوازن الجيواستراتيجي والاستقرار الإقليمي ونزع فتيل التوترات خاصة الصراع على موارد المياه بعد تشييد سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان، ومنع انزلاق الأوضاع الداخلية في دول المنطقة خاصة إثيوبيا والسودان نحو الفوضى وتجدد الحرب الأهلية. وأن يظل البحر الأحمر ممراً دوليا للتجارة العالمية مع تكثيف التعاون لمحاربة الارهاب والحد من الهجرة غير الشرعية. والدفع بمكانزمات التحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان في المنطقة.

أما السودان فستتواصل إرث سياسة اتفاق الحزبين مع الحفاظ على قاعدة النفوذ والتأثير التي أنتجتها منظومة العقوبات بأدوات أكثر نعومة وأقل خشونة، والاهتمام بدعم مشروع الانتقال الديمقراطي وحقوق الإنسان عبر الحكومة المدنية وتحالف كتلة القوى الليبرالية الحاكمة مع تخفيف قبضة اليساريين على مقاليد الحكم، وتحقيق تمثيل أكثر شمولا لقوى التغيير و أصحاب التوجهات المعتدلة لمراعاة التنوع وتوسيع قاعدة المشاركة في مؤسسات الحكم.