آخر التطورات

(بعد الفراق).. محمود عبد العزيز “كيفن مدة ما نشوفك كيفن يعني ما نلاقيك”

(بعد الفراق).. محمود عبد العزيز "كيفن مدة ما نشوفك كيفن يعني ما نلاقيك" - صحيفة التغيير السودانية , اخبار السودان ثقافة

الخرطوم: أمل محمد الحسن

في الذكرى الثامنة على رحيل الفنان الجماهيري في السودان، محمود عبد العزيز، مازالت قصصه وحكاياته مع جمهوره ومحبيه وأسرته مليئة بالحياة. نشرت ابنته حنين على موقع التواصل الاجتماعي تويتر اليوم، تغريدة تقول فيها: “في مثل هذا اليوم انتقل إلى رحمة الله سندي وظهري وقوتي وضعفي وحياتي وكل ما أملك، أبي، اللهم اجمعني به في جنة الفردوس الأعلى”.

لهيب الشوق:

بالنسبة للـ”حواتي”- تسميه تطلق محليا على جماهير محمود عبد العزيز الملقب بالحوب-  الهادي بشرى جميع ذكريات الحفلات العامة للراحل محمود حية في ذاكرته، وحكى الهادي لـ”التغيير” من غربته بالسعودية ذكريات الحفلات الجماهيرية التي كان يخرج فيها محمود لجمهوره وتتدفق جميع المشاعر بلا مواربة، من دموع وفرح.

“في مرة طالبنا محمود بأغنية “الفات زمان”، وبدأ صراخ الجمهور يتعالى: الفات زمان، فقال لهم محمود هناك مشاكل مع ملحن الأغنية وشاعرها، منعوني من أدائها، لكن مع إصرار الجمهور، عاد  محمود ليقول لهم إنه سيغنيها لهم لأنها ملكهم، ومن حقهم الاستماع إليها، معلنا استعداده للذهاب إلى السجن بعدها!

ما جعل محمود هو الأقرب لدى جمهوره، بحسب الحواتي بشرى، أنه فنان قدم الكثير لجماهيره. “الحوت أشبع جمهوره”.

ويمضي بشرى في التوضيح قائلاً: محمود كان دائما متوفرا في الحفلات الجماهيرية بحسب بشرى لا تسمح لجمهوره بالشعور بالملل.

سجل محمود 30البوما  إلى جانب 4 البومات مدائح، بحسب بشرى، ووفر الإنتاج الغزير لجماهير الحوت ذخيرة غنائية، إلى جانب التسجيلات الخاصة بالحفلات الخاصة.

من القصص التي يذكرها بشرى مقدرة الفنان محمود على ضبط جماح جمهوره في المسرح، يذكر بشرى قصة حفلة كان الجمهور فيها غاضبا من تأخر محمود عن خشبة المسرح، فبدأوا في القاء زجاجات المياه الفارغة، فخرج عليهم محمود، وقال لهم القوا علي الزجاجات الفارغة، لكن لا تخربوا المسرح، فهو ملككم. فهدأ الجمهور وبدأ بالغناء.

سجل معجبو الفنان محمود رابطة معجبين في العام 2002 استمرت عامين، وتم تسجيل جمعية “محمود في القلب”  بعدها في العام 2005، واستمرت في أعمالها حتى بعد وفاته.

في ذكرى رحيله الثانية أقامت الجمعية حفلة غنائية بوجود فرقة محمود الغنائية. تم عزف 12 أغنية وغناها الجمهور الذي بحسب بشرى ملأ النادي حضورا كثيفاً.

استمرت الجمعية، التي لها علاقات وثيقة مع أسرة الراحل، في أعمال خيرية بعد وفاة محمود، ولديها أنشطة في التبرع بالدم وإقامة الافطارات الرمضانية الخيرية وغيرها من الفعاليات الخيرية.

ما بلومكم:

ارتباط الجمهور الكبير بمحمود سببه تلك المعاناة الكبيرة التي عاشها الفنان في حياته؛ تغرب من البلاد، وسجن، ومنع من الغناء في العاصمة لأعوام، كل تلك المحطات الصعبة في حياة محمود جعلته أقرب إلى قلوب “الحواتة” –كما يؤكد الكاتب الصحفي وائل محجوب محمد صالح، مشيرا إلى أن محمود كان فنان جيله الذي لا يستبدله بأي فنان آخر.

محمود  تعرض لمحاربة كبيرة جدا من النظام السابق، الذي عاقبه بالجلد والسجن والمضايقات، وجند اعلاميين كثر لمحاربته في كافة وسائل الإعلام، على مستوى القنوات والصحف لكنه ظل صامدا بحسب الصحفي الفني أيمن كمون.

يقول كمون هذه المضايقات الكبيرة خلقت من محمود أسطورة وايقونة معارضة ضد تقييد الحريات بالنسبة لجيله. صمود الفنان الراحل في مواجهة عسف السلطات، نبع من ايمانه بقدراته ورسالته.

من الأشياء التي جعلت الشباب يشعر بالانتماء لفن الحوت؛ حتى بعد سنوات من وفاته؛ نبع وفق كمون من استمراره في الغناء داخل البلاد، في الوقت الذي هاجر واغترب عدد كبير من الفنانين من البلاد، هربا من النظام القمعي لحكومة عمر البشير.

سبب الريد

حياة محمود في قلوب معجبيه، لم تكن وليدة صدفة، كان هو أول فنان يغني بصحبة آلة “الاورغن” بحسب وائل محجوب، الذي أشار إلى أنه خلق نقلة موسيقية كبيرة أيضا؛ عبر العمل مع الموسيقار الراحل عبد الله الكردفاني.

حتى أغنيات الحقيبة التي غناها محمود ارتبطت به لدى الجمهور، وفق صالح، مشيراً إلى أنه لم يكتف بالتغني بالأغنيات القديمة والمعروفة، منتجا عددا كبيرا من أعماله الخاصة.

إلى جانب تعامل محمود مع الكردفاني، اختيارات محمود لفرق موسيقية مجودة، مثل البعد الخامس، ساهمت في خلق ثنائية متفردة بين أداءه والتجويد الموسيقي، الأمر الذي أبقاه خالدا بحسب كمون.

وفاة محمود خلقت فراغا في الساحة الفنية السودانية، لم يكن “الحوت” فنانا عاديا، كان نموذجا ل”سوبر ستار” الذي لم يكن يتمكن من سير في الطرقات بدون أن يحدث تجمهرات، كما يؤكد كمون.

ويمضي كمون يقول: “كان محمود يمتلك “كاريزما” مميزة على المسرح، وكان يغني كأنه مصاب بجذب سماوي”!

وأكد كمون نظريته بالقول: إنه يمكن الرجوع إلى جميع الفيديوهات المصورة لحفلات محمود، والتي يظهر فيها ك”المجذوب” وتظهر انفعالات الجمهور وتفاعلهم معه. فبحسب كمون لا يستطيع شخص أن يحضر حفلات “الجان” من دون أن يكون هو محور التركيز الأوحد لجميع الحاضرين بلا استثناء.

لم تتوفر المهارات التي امتلكها محمود لأي فنان في جيله، أو بعد ذلك، بحسب كمون اقترب الفنان أحمد الصادق من ناحية انتقاء الكلمات والألحان، لكنه قطعا لم يتمكن من أن يصبح أسطورة كالحوت.

“محمود ظاهرة لن تتكرر”، هكذا اتفق الشاعر الغنائي محمود الجيلي مع كمون في وصف الحوت، ومن وجهة نظر الجيلي ذلك التفرد لم يكن فقط في اختيار الكلمات والألحان، لكنه كان يستطيع التواصل مع روح الأغنية، وانفعالاته الحقيقية بها.

الصدق هو سر العبور وفق الجيلي، كان يغني بصدق، ويحس الكلمات بصدق.

يشعر الجيلي بأسف كبير لأن له مشروع تجربة مشتركة مع الحوت لم تكتمل. يقول إنه تم الاتفاق على نص، إلا أن المرض داهمه وبعدها انتقل.

محمود بحسب الجيلي انتقل بجسده فقط، وسيبقى فنه وجمهوره والدليل وجود الحواتة العاشقين في كل مكان. ويضيف الجيلي: “وأنا منهم.. أنا حواتي قديم”.

محمود غنى للجميع، بحسب الحواتي بشرى، غنى للأطفال وغنى للمحبين، وغنى بايقاعات غرب السودان، وغنى لأصحاب القلوب المنكسرة، لذلك محمود فنان لا ينسى، فهو مع جمهوره في جميع حالاته.

الأساطير لا تتكرر كثيرا، هكذا قال كمون، مؤكدا بقاء “الجان” حيا في قلوب محبيه، كأيقونة للفن والإنسانية.