آخر التطورات

دروس من نساء في دول عربية قررن صعود سلّم العقارات

امرأة مصرية وأخرى سودانية تشاركان تفاصيل رحلتهما لشراء شقة سكنية - ظروف كل منهما مختلفة ودافع كل منهما مختلف أيضا.

لم تكن نور سعيدة في زواجها منذ بدايته، لكنّها على الأقل استفادت من إحدى نصائح زوجها وتمكنّت بفضلها من شراء شقة الأحلام والانتقال إليها بعد انتهاء زواجهما الذي دام 15 عاما.

ليس سهلا على امرأة مصرية بعمر التاسعة والثلاثين، ولا تنتمي لعائلة ثرية، أن تمتلك ثمن "شقة العمر" وأن تفرشها كما تتمنى، لكن نور (اسم مستعار) كانت قد صعدت على سلّم العقارات خطوة خطوة منذ أن شعرت بعدم الأمان مع زوجها "البخيل"، فقررت احتمال تلك الحياة من أجل أطفالهما، حتى تؤمّن نفسها.

تقول نور (44 عاما) لبي بي سي نيوز عربي "كان طليقي يحب الاستثمار، مثله مثل كثيرين من زملائه ضباط الشرطة، من أجل زيادة دخله. وبصراحة كان هو أول من قال لي 'اشتري شقة وحوّشي (ادخري) فلوسك فيها ' ".

لذلك قررتْ أن تقترض من أحد البنوك حوالي 90 ألف جنيه، وكان راتبها حينها حوالي 5000 جنيه وكانت هي بعمر الثامنة والعشرين. واشترت شقة بسيطة جدا وصغيرة (75 مترا مربعا) في طابق أرضيّ في مكان بعيد، وأجّرتها فورا بقيمة ألف جنيه شهريا، وبعد خمس سنين أوفت بدينها للبنك.

وتقول نور إنها حصلت على القرض "بسهولة" لأنها كانت تعمل مع شركة اتصالات دولية.

انتظرت ثلاث سنوات حتى توفر لديها رأس مال جديد (مئة ألف جنيه) بفضل ادخارها من راتبها الشهري وما كان يأتيها من إيجار الشقة، وبفضل مشاركتها أخواتها في "جمعيّة"، إلى جانب مبلغ حصلت عليه من تركة والدها (حوالي 20 ألفا)، فاشترت شقة ثانية بمواصفات قريبة من مواصفات الشقة الأولى - الفارق الوحيد هو أنها لم تحتج الاستدانة من البنك هذه المرة.

"أنا شخصية عمليّة، أحتفظ بنجاحاتي لنفسي لأني أخاف الحسد لذلك لم أخبر إلا أهلي وصديقتين مقربتين فقط عن هذه العقارات. وكنت قد تمكنت من شراء الشقتين قبل التضخم المالي في البلد".

وكانت الحكومة المصرية قد قررت في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2016 تحرير سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية "التعويم"، وفي ربيع العام التالي أعلن عن أعلى معدل تضخم في مصر منذ 30 عاما.

تتابع نور: "عملت بنصيحة أهلي بأن أبقي ذمتي المالية منفصلة عن زوجي، ولم يستطع التدخل في استقلالي المالي لأن شخصيتي قوية. لم يكن يهتم بالأولاد وكان يسحبني إلى الوراء فصرت أفكر وأخطط بصمت".

تلك الخطوات التي اتخذتها مكنّتها لاحقا من أن تقفز نحو الأعلى على سلّم العقارات.

مع مرور السنوات زادت المشاكل مع زوجها، وتعبت من حياتها معه لكنها زانت الأمور بعقلها: "الآن هو يساعد في مصاريف الأولاد - ولو بالفتات - وهو أبو أولادي، وأنا لا أريد أن أتزوج مرة ثانية، ومن أجل حماية مظهرنا اجتماعيا قررت أن أحتمل. كما أنني إن تطلقت كنت سأضطر للعيش في بيت أختي، أما هو فسيتزوج في شقتنا. لكل هذه الأسباب قلت أني لن أتركه الآن ولن أترك له شقتنا".

عام 2015 باعت الشقتين الصغيرتين وشاركت في أكثر من "جمعيّة" واستدانت مبلغا من المال حتى اشترت الشقة التي احتملت من أجلها حياةً صعبة مع زوجها، وتقول إنه كان قد وعدها بأنه سيشارك معها في شراء شقة جديدة "لكنه لم يبذل أي مجهود" ولم يكن يعرف أنها ستشتري تلك الشقة سواء معه أو بدونه.

"تفاجأ عندما سكتت بعد أن عرفت أنه أخلف بوعده في مشاركتي بشراء شقة. وتضايق عندما عرف أني قادرة على شراء الشقة وحدي وظهر أسوأ ما فيه ولم يساعدني بشيء حتى أني كنت أمسك بأولادي وحدي وحولي مجموعة رجال ينقلون الأثاث".

عاما بعد عام، أخذت نور بتأثيت الشقة واستعانت بمهندس ديكور ليحوّلها إلى "شقة أحلام" وانتقلت إليها مع أولادها بعد طلاقها من زوجها.

تقول نور إن الأمر قد يبدو سهلا لكن شراء مثل تلك الشقة في القاهرة لم تكن عملية سهلة بالنسبة لها. "طيلة أربع سنوات كانت حالتي سيئة لأنني كنت أريد الطلاق لكن الوضع كان صعبا. كنت أسكت وأمرر أشياء له لأني كنت أخطط كيف سآخذ حقي يوما ما".

ويعتقد أن نسبة النساء المصريات اللاتي يمتلكن عقاراتهن هي بحدود خمسة بالمئة.

إذ نقلت إحدى تدوينات البنك الدولي لعام 2020 نتائج دراسات حكومية خلصت إلى أن الرجال يمتلكون ما يزيد عن 90 بالمئة من الأصول العقارية في مصر.

كما قالت التدوينة إن النتائج التي خلصت إليها دراسة عن التمكين الاقتصادي للمرأة لعام 2019، تظهر أن 5 بالمئة فقط من نساء مصر يمتلكن أصولا عقارية (سواء بمفردهن أو بشكل مشترك) مقابل 95 بالمئة من الرجال.

مشروع صغير - ربح - شراء عقار - مشروع جديد

كان حافز نور لشراء شقة لها ولأولادها هو شعورها بعدم الأمان مع زوجها- أما دافع السيدة السودانية، حبّو أمبدي، لتملّك عقار فكان مساعدة والدها عبد الرحمن أحمد أمبدي، العامل في مصنع السكر، على تربية أخواتها السبعة الأصغر منها وجمع العائلة في بيت واحد في العاصمة بعد وفاة أمهم عام 2007.

فوالدها، كما تقول، هو "سندها في هذه الحياة".

تركت طالبة الطب في جامعة الخرطوم دراستها في سنتها الثالثة لتدخل عالم التجارة؛ درست السوق جيدا وقررت بدء العمل في تجارة المواد الغذائية الأساسية التي تنقص مدينة جوبا (التي أصبحت عاصمة دولة جنوب السودان بعد الانفصال عام 2011) ودولا أخرى في أفريقيا مثل أوغندا، وجلبت هذه المواد من شمالي السودان ومن الإمارات (مثل الذرة والفاصولياء الحمراء والمشروبات الغازية).

وعام 2009، وبعد سنوات على بدء عملها التجاري، تمكنت من شراء أول عقار مؤلف من خمسة طوابق وأسست فيه شقة لعائلتها كي يسهل على أخوتها الذهاب إلى الجامعة في العاصمة.

وكانت حينها لا تزال بعمر الخامسة والعشرين وغير متزوجة.

تخبرني حبّو ذات السبعة والثلاثين عاما (واسمها مشتق من كلمة المحبّة) أنه إلى جانب فئة التاجرات، هناك شريحة من السودانيات القادرات على تملّك عقارات في الخرطوم، رغم الأسعار المرتفعة جدا، وغالبيتهنّ من الطبيبات المغتربات في السعودية والإمارات. كما تقول لي إنها تعتقد أن العاملات محليا في مجال تجميل العرائس قادرات أيضا على شراء شقق بفضل حصولهن على دخل ثابت وعالٍ.

"مستوى دخل الفرد عموما في السودان منخفض فما بالك بوضع المرأة تحديدا. وحتى ولو وجدتِ أرضا رخيصة لتعمريها، فإن التشطيبات مكلفة جدا".

وعندما حاولت هي مرة الحصول على قرض عقاري من أحد البنوك، توصلت إلى نتيجة أن ذلك الطريق "معقد جدا" في السودان، ووجدت أن شروط البنك كانت صعبة للغاية.

تقول حبّو، وهي اليوم أم لخمسة أطفال أكبرهم بعمر السابعة تقريبا، إن تملّك عقار لا يمكن أن يكون هو الخطوة الأولى في عالم الاستثمار في السودان - على الأقل وفقا لتجربتها.

لذلك فإن خطتها ببساطة تقوم على المنهج التالي: بدء عمل صغير - تحقيق عائد مادي وأرباح - ومن ثم شراء عقار - وبعدها بيع العقار لبدء مشروع جديد وهكذا، وطبعا هناك دائما احتمال الربح والخسارة.

وبعد خوضها مجال تجارة المواد الغذائية وشراء أول عقاراتها، جرّبت أيضا تجارة الديزل مع السوق الكينية وحصلت على عائد مالي كبير وتمكنت من شراء شقة في مدينة الشارقة لتسكن فيها أثناء زيارات العمل لأنها كانت قد أسست شركة في الإمارات. ومالبثت أن باعت تلك الشقة - بعد خسارتها في أحد المشاريع - لتبدأ مشروعا جديدا لتأجير آليات وحفارات الذهب للعاملين في مجال التعدين.

ومنذ فترة تمكنت من شراء أرض في منطقة راقية في جنوب السودان، كما تقول، وتفكّر في تحويل البرج الذي تؤسسه عليها إلى فندق فيه محلات ومقاهٍ كثيرة، لكنها لم تؤمّن بعد تمويلا كافيا لهذا المشروع.

وإن كانت المصرية نور تخاف الحسد وتفضّل التكتّم على استثماراتها المالية، فإن حبّو تحيط نفسها بصحبة نساء كثيرات وترى أن ما حققته في الحياة "ليس بسبب الذكاء والشطارة، وإنما بفضل الدعم النفسي والمعنوي العالي" من صديقاتها ومن أسرتها.

وتقول إن صديقاتها في جنوب السودان ساعدنها كثيرا في بداية حياتها المهنية للتعرف أكثر على السوق هناك واستضافوها أثناء زياراتها.

في عام 2013 تزوجت حبّو من ابن خالتها "المتعلّم وعالي الفهم" كما تصفه، لذلك لم تحتج أن تبرر له أو تشرح له أسلوب عملها وحياتها فهو كان على اطلاع على مسار حياتها وعملها.

تقول حبّو لبي بي سي "لا يزال جزءٌ من المجتمع تقليديا.. النسبة الشائعة هي أن كل شيء ملقى على عاتق الرجل. لكن آفاق الناس بدأت تتفتح. عانيت في البداية بسبب سفري وكان كثير من أهلي يؤثر على والدي ويقولون له 'لماذا تسافر من بلد لبلد ' لكن عائلتي دعمتني جدا وصديقاتي أيضا".

نصائح اقتصادية

ترى المصريّة نور أن شراء شقة كان أفضل أشكال الاستثمار بالنسبة لها: "لو كنتِ متزوجة وتعيشين بشقة مع زوجك، فإيجار الشقة سيكون سندا لك وسيزيد دخلك بشرط أن تعرفي اختيار المستأجر الصحيح، وبعد سنوات عندما ستبيعين الشقة سيزداد الثمن.. فأنا مثلا اشتريت الشقتين بحوالي 200 ألف جنيه وبعتهما بعد سنوات بمبلغ 600 ألف جنيه".

لكن للوصول إلى تلك الخطوة لابد من أن يصبح الادخار عادة وطريقة تفكير، كما ترى. "تعلّمت أن أدوّن كل ما أصرفه وأن أدّخر ولو 5 جنيهات بالشهر. وكلما كبر الدخل زاد الادخار، ويجب أن لا ننسى الصدقة. كما أني دائما ما كنت آخذ معي طعام الفطور والغداء للعمل وحتى البن لأحضّر قهوتي بنفسي، وكنت أركب المواصلات العامة. أما هذه الأيام فأرى الشباب والشابات يطلبون الفطور والغداء من المطاعم إلى مكاتب العمل ويركبون سيارات الأوبر.. هذا دلع".

أما حبّو، ورغم تركيزها على أعمال التجارة، إلا أنها أيضا ترى أن شراء عقار "يفتح آفاقا كبيرة لمشاريع جديدة".

لكن فهما لطبيعة المجتمع وظروف حياة المرأة في السودان، كوّنا قناعة لديها وهي أن الجهود يجب أن تركز على دعم نساء السودان من الفئات الأضعف لتمكينهن اقتصاديا من خلال مشاريع إنتاجيّة، وكما تقول "المرأة في أفريقيا عموما وفي السودان نشيطة.. يجب أن تركز الحكومة والجمعيات الدولية على العمل مع المجتمعات الضعيفة لتقويتها ومن ثم تقوي المرأة نفسها بنفسها".