لأي مدى تكشف (مواجهة) عن عوالم القصة القصيرة الجديدة في السودان؟

 مجاهد الدومة   أنا مرآتكِ… جيشان يخوضان المعركة في دمي، في مدارات لا متناهية يدور عقلي، تتفتق بذور الشوق المنادي داخلي، والسماوات تعلو أكثر. يداي ترتعشان؛ تعزفان لحن الإرتباك، المناوشات تبدأ، المعركة تحتدم، أتقدم حثيثاً، حثيثاً. في لحظة أستشعر قرب النصر، أخطو للأمام، بينما ذاكرة كاملة تجرني إلى الخلف؛ فالمعركةُ تتسم بالجدة، بالنتائج المبهمة وغير …

 مجاهد الدومة

 

أنا مرآتكِ…

جيشان يخوضان المعركة في دمي، في مدارات لا متناهية يدور عقلي، تتفتق بذور الشوق المنادي داخلي، والسماوات تعلو أكثر. يداي ترتعشان؛ تعزفان لحن الإرتباك، المناوشات تبدأ، المعركة تحتدم، أتقدم حثيثاً، حثيثاً. في لحظة أستشعر قرب النصر، أخطو للأمام، بينما ذاكرة كاملة تجرني إلى الخلف؛ فالمعركةُ تتسم بالجدة، بالنتائج المبهمة وغير المعروفُ مصيرها. ووسط كل ذلك ينثال صوت عذب، نافضاً الغبار عن ذاتي، آخذاً يدي برفق في طريق ممتد، هامساً..

أنا مرآتكِ…

في ذاكرتي، عرض الفيلم يبدأ، المشاهد تتدفق مغطية مساحات شاسعة، مشاهدٌ متراكمة عبر سنوات طوال تسيل في النهر الذي هو أنا، النهر نفسه الذي حاول حرف مساره عن الوجهة المشيدة، المرسومة له منذ يوم الميلاد الأول. لكنني أستشعر تقهقري للوراء، يبرز التراجع، أبصر الهزيمة تلوح، تضرب أعناق رغبات نضجت جوايّ، سكنت خيالاتي وأحلامي، وعند ذلك ينثال الصوت المنادي إيايّ…

أنا مرآتكِ…

كنت ابنة الثامنة في ذاك المساء البعيد،في الشارع ألعب كما العادة، برفقة الفتيات والفتيان، نتجارىفي الدروب والأزقةالداخلية لشوارعنا المتسعة، وفي خضم هذه الحالة تسرب ألم غريب؛ كخنجر ينغرس ببطءفي أسفل بطني، ليجعلني أختفي من مشهد الشارع الضاجباللعب والمطاردة. فأنسحب إلى البيت مع زوال اللون المذهب للشمس؛ والذي سأكتشف فيما بعد أنه زوالي أنا أيضاً.

في البيت، وفي ساعة متأخرة من الليل تحولت ذكرى اللون الذهبي للشمس إلى أحمر قاني، سائل دافئ سال من جسدي، أشعرني بالذعر والإرتباك، أيقظت والدتي من نومتها بخجل، ومن بعدها علمت بشأن فوط بيضاء يجب عليّ ارتدائها لمدة خمس أيام من كل شهر. وافقت على ذلك غير آبهة سوى بالألم اللحظي.ومنذ ذلك المساء تغير كل شيء، تبدل الشارع المليء باللعب والمطاردة، ولمحت الخطوات الرشيقة التي تربطني به تتخذ شكلاً صارماً، جسدي وهو يختفي تحت المزيد من الملابس، أجنحة الطفولة تمضي إلى سبيلها، تتبدد في السماء. ومن يومها بتُ أمقتُ اللونين، البحيرة الحمراء القانية التي منبعها داخلي؛ واللون الأبيض؛ لون الفوط البيضاء.

أتذكر ذلك وأنا على حافة خلع مئزرالفستانمن عنقي، تتملكني أصوات ونداءات داخلية، عطش يندهني، يحثني على الاستجابة، للشرب من نداء حاجة لطالما طاردتني وتجاهلتها، لكنها ما أن ينغلق لها منفذاً حتى تتسرب من آخر. وفي لحظة تمرير أناملي لفك مئزر الفستان، أمر بالندبة  في نهاية عنقي. يرتعش جسدي كله وأنا أمر بها، المرور الذي يعيدني من الندبة إلى تاريخ الجرح في ذلك اليوم…

كنتُ على عتبة باب المنزل المفضية إلى الشارع، بحزم الخطوات التي تعلمت أن أمشيها، الخارج الذي لا يخصني أنا فقط، بل الصورة التي يجب علي ك “وهج” المحافظة عليها  بالضرورة، صورة لا تخصني أنا لكني أحملها وكل الأعباء الملتصفة بكوني وهجاً؛ الضوء المدرك من قبل الآخرين. وفي لحظة يحملني اسمي إلى الاعتقاد أن المشكلة هي في الأصل متعلقة به، فالوهج يدرك، كضوء يجهر العينين، كشيء ينبغي اطفاؤه. وما زاد في اعتقادي هذا أن الأمر لم يحدث قط مع أخي التوأم “شمس” فهو مدرك التأثير بالنسبة للجميع ، كشعاع حارق يمكن أن يسبب تصبب العرق، أن يصيبك بضربة الشمس. لكن  العرق من السهل إزالته باستخدام منديل مثلاً، أو المكوث لبرهة في الظل ومن ثم معاودة المسير، أو انتهاء الشمس إلى زوال.

لكن في حالة اسمي فالأمر مختلف، وهو الذي تأكد لي مغايرته في ذلك اليوم؛ ففي لحظة خروجي أنا وأخي شمس، كان أبي عائداً من العمل. وفي لحظة فتحنا للباب والانهمام بالخروج، انحسر الجزء الأعلى من الطرحة التي تغطيرأسي، هي عين اللحظة التي رآني فيها والدي، يبدو أن الضوء المتسرب من رأسي قد جهر عينه لدرجة أني لم أشعر إلا بالدوار الذي أصابني، حرارة اللون الأحمر المنساب من عنقي على إثر الضربة التي تلقيتها بشئ ما كان يحمله في يده.

مرت هذه الذكرى علي، فتوجست، انتابني الهلع وأنا على حافة خلع مئزر الفستان، ندت دمعة من عيني، ارتجفت يداي، أوشكت على التراجع، على نسيان الصوت الداخلي الذي يحثني على التقدم، على الانتصار من أجله، وأنا في تلك الحالة سمعت الصوت الذي يناديني…

أنا مرآتكِ…

يااااه، لأول مرة أتأمل في دلالة هذا النداء الذي يطيب كل الجروح داخلي، المرآة التي كانت بمثابة التقوقع الأوحد لي، المرآة الصغيرة التي كنت أدسها بين قطع الملابس في كل مرة أذهب فيها إلى الحمام، حيث أتأملني لثوانٍ، ومن بعدها امتد الأمر لدقائق، أبصرت صورتي المعكوسة على سطحها المصقول، تعرفت على أول حبة شباب نمت على خدي الأيسر، لمستها بإصبع السبابة، وتحسست السائل المخزون في داخل الغشاء الدهني. المرآة نفسها التي أدركت فيها أنني أنضج من خلال مراقبة جسدي، والأماكن الأكثر سرية. فيها راقبت نمو نهدي وتفتقهما. أذكر أنه عند بروزهما كانت النظرات المراتبة تحيط بي كجدران سجن؛ لذلك كرهتهما أيضاً. لكنني برغم ذلك ظللت ممتنة لتلك المرآة التي عنت لي تاريخي الشخصي، تقلباتي عبر الأيام، التغيرات التي حملتها معي بشكل متخفي. كانت المرآة النافذة التي أطل منها عليّ، المكان الذي تحسست فيه المغارات والأماكن الأكثر سرية في جسدي، الصورة الأكثر أصالة مني في كل لحظاتي؛ المسافة التي وقفت فيها في لحظات انهياري وبكائاتي، المكان الذي ابتسمت فيه لنفسي بكل مقدرتي على الابتسام. والأهم من ذلك أنها المكان الذي أحتفظ فيه على جذوة الوهج متقدة تحت الرماد؛جذوة قادتني في طرقات النداءات الداخلية، صبابة في غور الذات تنادي نداء الجسد، أستشعرني قريبة جداً وأنا على وشك فك مئزر الفستان لأول مرة في مكان مختلف وأمام أعين حبيبي وليس المرآة، أمام كل ذلك يأتي صوت حبيبي هامساً…

أنا مرآتكِ…

في تلك اللحظة ينفجر البركان في دخيلتي بكل المتناقضات، كرهي للونين الأحمر والأبيض، الشارع الذي كنت أحلق فيه كريشة، النداء الداخلي الذي يحثني على خلع المئزر والتعري أمام حبيبي، الندبةُ؛ ذاكرة الجرح في عنقي، أحلام وخيالات ليالي بعيدة كنت أصحو فيها مبللة، النهدين في صدري اللذين كنتُ أراقب نموهما بدهشة أمام المرآة بشعور محايد لا هو الحب أو الكره، لكني أمقتهما بسبب التعليقات والنظرات فاغرة الفاه التي يرمقني بهما الناس، موجهات أمي وحديثها عن العفة. كل ذلك يدور في عقلي، وأشعر أن:

جيشان يخوضان المعركة في دمي، في مدارات لا متناهية يدور عقلي، تتفتق بذور الشوق المنادي داخلي، والسماوات تعلو أكثر. يداي ترتعشان؛ تعزفان لحن الإرتباك، المناوشات تبدأ، المعركة تحتدم، أتقدم حثيثاً، حثيثاً. في لحظة أستشعر قرب النصر، أخطو للأمام، بينما ذاكرة كاملة تجرني إلى الخلف؛ فالمعركةُ تتسم بالجدة، بالنتائج المبهمة وغير المعروفُ مصيرها. ووسط كل ذلك ينثال صوت عذب، نافضاً الغبار عن ذاتي، آخذاً يدي برفق في طريق ممتد، هامساً..

أنا مرآتكِ…